في ذلك اليوم البهيج...استيقظت كعادتي في الصباح الباكر..للذهاب إلى المدرســـة
...وعندما وصلت إلى هناك..فوجئت بهديةٍ صغيرة على طاولتي..
...ابتسمت والتقطت الطاقة التي كانت بجانبهــــا..فعرفت إنها من صديقتي سحــر
هذه الصديقة التي رافقتني في دربي الطويـل من المرحلة الإبتدائية حتى هذه المرحلة من
...الصف الثاني ثانوي
..جلست في مكاني..واحسست بسيل من الذكريات يجتاحني..
..لتمر أمامي كنفحــة عبير تحيطني بدفء صميمها
اتذكر كيف التقيتها في منزلنا..فوالدتي صديقة لوالدتها....ا
..ومنذ ذلك اليوم..بدأت حكايتي معها
..اتذكر عندما أمرض كيف كانت تعتني بي بإفراط
ومن ذلك إني أصبت ذات مرة بالجدري..فأبعدتها والدتها عني خوفــاً من أن تصاب
..بالعدوى هي الأخرى..فأخذت تبكي ولم يهدأ بالها حتى أصيبت بالمرض
..واصبحنا نجلس معاً في أوقات الفراغ
..وفي الواقع..كان ذلك من أجمل الأيام التي قضيتها معها
..أتذكر أيضاً أننا كنا نتعمد لبس الثياب نفسها وتسريح الشعر بنفس الشكل
..وأحياناً تقلد كلٌ منا الأخرى في كل شيء بطريقة غريبة وأحياناً تكون جنونية
..حتى إن البعض يظننا أخوات أو بيننا صلة قرابة ما
..وفي العطلة الصيفية كنا نخرج في رحلات ممتعة إلى اماكن مختلفة
..وعندما تسافر..أحزن كثيراً وأحس بأن الدنيا قد أظلمت وخبا نورها
..وبينما أنا على هذه الحال..تساءلت في نفسي
..!!هل سنفترق بعد التخرج من هذه المرحلة؟؟
..!!ألن نلتقي لزمنٍ طويل؟؟
..أشعر بحزنٍ كبير عندما تراودني هذه التساؤلات
..فهذا هو الواقع المؤلم الذي نعيشه ولامفر منه أبداً
..وكانت الشكوك تملأ ذهني دائماً..في أن سحر ستتخلى يوماً ما عني..وبكل بساطة
..لم أستطــع أن أمنع نفسي من هذه التخيلات التي أكرهها كثيراً
..لأنها لطالما أفسدت ذكرياتي الرائعة مع سحر
..وبالرغم من أن صديقتي كانت تعاتبني غالباً على سوء إعتقادي..
..إلا أن الكوابيس كانت تراودني بشأن خوفي هذا..
..وبعد سنة
..أقيم حفل التخرج..وكان يوماً لاينسى..كل أمٍ فخورةٍ بإبنتها
..والطالبات كنَ ينتظرنَ هذا اليوم بفارغ الصبر
..ولكني كنت أتمنى أن يطول الزمن..ولا يأتي اليوم الذي سأبتعد فيه عن أهلي وعن أحبائي
..ولكن..تم الأمر..والحمدلله نجحت بإمتياز..وكذلك صديقتي
..وبعد ذلك بأسبوع..اتصلت بسحر ودعوتها إلى منزلي
..فأتت وجلسنا في حديقة المنزل..وتكلمنا عن أيام الدراسة وعما سنفعله في المستقبل
..وفهمت من كلامها إنها ستسافر إلى الخارج ولن تعود إلا بعد زمنٍ طويل
..لم أنتبــه إلى الصمت الذي ساد بيننا لحظاتٍ كأنها دهر
..وإذا بكلمات سحر تكسر ذاك الهدوء بهمسها لي
.."..رهــف.."
.."..!!هل تعاهديني على صداقتنا؟؟.."
..إمتلأت عيناي بالدموع..وأومأت برأسي من غير أن أنطق بكلمة
..أمسكت يدي بحنان..وأكملت نثر كلماتها على مسامعي
.."عاهديني...أن..تكوني سعيدةً...مهما طالت..المسافة بيننا.."
..لم أكن أريد أن أسمعها..لكني ارتأيت أن أدع الأمور تسير كما هي
..فربما كانت هذه هي آخر كلماتٍ نسمعها من بعضنا..
..وكانت هي تترد لكنها أكملت برباطة جأش
.."عاهديني..أن...تتخطي..كل مايعترضك..بإبتسامة وبقلبٍ..نقيين"
.."عاهديني..أن تكون...جذورنا باقيـــةٌ..في أعماق هذا العالــم"
..وعلقت الحروف في حنجرتها..وذرفت دمــوعهــا
..وكأن هذه الدموع قد سهلت عليها متابعة حديثها المحــزن
..."....و....عاهديني..."
.."....أن....لاتنسيني.."
.."...وتذكري دائماً.. أنه من المستحيل علي..أن أنسى صديقةً...قضيتُ معها طوال هذه السنين"
.."..أروع أيام حياتي.."
..لم أكن أدرك أن دموعي قد ألهبت وجنتيَ بغزارتها
..وتردد لساني بالبوح عما يعتري قلبي
..حتى نطقتُ أخيراً..وما كدت أفعل
.."..أعاهــدك...على كل شيء.."
.."..سحـــر...."
التفتت إلي..لألتقي بعينيها الباكيتين..مما صَعُب علي الكلام
..ولكني أشحت بوجهي..بعيداً..وتابعت
.."..أنتِ..تعلمين...كم أخاف..مما سيأتي..."
.."..أخاف..من تأثير الأيام...المقبلة.."
..استطعت أن أشعر بعتابها المعتاد كلما فتحت موضوع خوفي هذا..ولم أعطها فرصة لأني أكملت بسرعة
.."..لم أكن يوماً..أثق بنفسي..حتى أدركــت..منذ بضع سنوات..إنني بت...إنسانة أخرى.."
..".. كنتُ محظوظة..لأنكِ..من أعادَ إليَ شخصيتي..."
.."..كنتُ...دائماَ أجدكِ..بقربي..كلما اجتاحتني...عواصف الأحزان.."
.."..لطالما أرغمني توبيخكِ لي على التفكــير في سبب ضعفي.."
..ارتسمت على ملامحها الناعمة ابتسامة صغيرة..وبادلتها الإبتسام بالرغم من الحزن الطاغي على وجوهنا
..وأردفت قائلة..
.."..ومع مضي الوقت..اكتشفتُ إنه لم يكن هناك داعٍ إلى كل هذه الشكوك.."
.."..في أنني يوماً ما سأكون وحيدة..لا صديقات لي.."
..وقطبت سحر جبينها ورددت
.."..آآه..لقد كنت أتساءل منذ فترة..عن سبب إختفاء كلمات الخوف..التي كنتِ ترددينها غالباً.."
.."..والآن...أنا حقاً سعيدةُ..لأنكِ تخلصتِ من..هذه الكوابيس.."
.."..لقد كنتِ دائماً تشعريني بمدى اهتمامكِ بي..وهذا ماانتشلني من غرقي.."
.."..!! حقاً..."
..ابتسمت لها
.."..أجل...وأود أن أرد لكِ جميلكِ يوماً ما.."..
..هزت رأسها رافضة
.."..لم أفعل مايستدعي كل هذا الإمتنان..ويكفيني أن تذكريني بالخير في دعاءك لي.."
.."..وأن نظل سوياً مهما كان.."
.."..هذا ماأرجوه أنا أيضاً.."..
.."..وأريدكِ أن تعلمي..إن أمنيتي التي أرجوها منذ زمن طويل..هي أن أراك تبتسمين بصدق.."
.."..وكل ما أطلبه في هذا الفراق..أن لاتنسيني.."
.."..فقط..لا تنسيني.."
لم تتكلم..وكان يبدو لي بأنها تجيبني بصمتها...وتؤكد لي بأن لا شيء يمكنه ..
..أن ينسيها صديقتها..وكانت تبدو واثقة..أنه لن يفرقهما شيء بإذن الله
..وفي المطــــار..
..احتضنتني سحر..وحزننا قد أغرقنا في ظلام رهيب
..ودعنا بعضنا..ولم نشأ ذلك أبداً..لولا أن أمــي قد أبعدت يدي عن يدهــا بلطف..
..وهي تحاول أن تواسيني..
...وحلقت الطائرة في الساعــة الحادية عشر مساءً
...لتختفــي في أفق الليل المظلــم..آخذةً معها جوهرتي النادرة
....وبكل صمت....
...حصل الفراق...