اتفقت الآراء حديثاً على أن العمل المتواصل يقي الإنسان من أمراض الفراغ، والملل.
أما علماء النفس فإنهم يزيدون على ذلك بأنه إذا كان مثل هذا العمل مما يتلذذ به الشخص الذي يقوم به، فإنه يحافظ على استمرارية اللذة، وحلاوة النشوة التي يستمدها منه.
أما هذه اللذة - التي هي لذَّة الإنجاز، أو نشوة النجاح، والتوصّل للهدف، فهي التي تنعش كيان الإنسان، وتجعله ينتظم مثل الساعة المضبوطة.. وإن لم يشوش عمل هذه الساعة طارئ فإنها تظل تدق بانتظام زمناً طويلاً.
المعمّرون
وإذا راجعنا حياة المعمرين من عظماء التاريخ، لوجدنا أن اللّذة بالعمل كانت تغمر نفوسهم، وتسود على حياتهم المتتابعة.
وقد سألوا فيلسوف هندي، عندما وصل عمره إلى 104 سنوات، عن سر طول عمره، فأجاب قائلاً: "تزوجت المكتب بحثاً عن المعرفة، وعشت حياة الناس، ولكن من بعيد... ومازلت أعمل في مزرعتي ست ساعات يومياً.."
ونحن نجد أن الكاتب الروسي "ليو تولستوي" قد استمر في إنتاجه الأدبي حتى سن الثانية والثمانين. أما الفنان الممثل الساحر "شارلي شابلين" والشاعر المسرحي الألماني "جوته"، فقد بلغ كل منهما سم الثالثة والثمانين. كما ظل الكاتب العظيم "برنارد شو" يتمتع بالسباحة في البحر حتى الرابعة والتسعين..
وتطول القائمة، لكننا نكتفي بقول الكاتب "منير نصيف": "الأرجح هو أن العمل الخلاَّق هو الذي يطيل الحياة.."
بذل الجهد:
وفي بحث إحصائي في منطقة جورجيا السوفيتية، ظهر أن حوالي ألفي شخص في عمر يجاوز المائة سنة، في القرى، ويمارسون منذ مراهقتهم، العمل البدني، وأنهم يأكلون اللحوم، والخضراوات، ومنتجات الألبان.. ولا يدخنون.."
وفي عدة إحصاءات تمت في إنجلترا، ثبت أن هنالك علاقة وثيقة بين العمر الطويل، ومزاولة الحرفة..
وعموماً، فلقد أصبح من البديهيات: "أن اتفق الأعمال بالنسبة إلى غالبية الناس، لهو أقل سوءاً من البطالة.."
والطريف أنه لو أنك تركت الحرية لهؤلاء المتبطلين، في اختيار ما يشاؤون لملء فراغهم، فإن أكثرهم يجدون أنفسهم ضائعين، إمَّا لأنهم لا يدرون ما يصنعون، أو لأنهم حائرون على ظن منهم أن هنالك شيئاً ما يمكن أن يكون ألذ مما لديهم.
المجتهدون:
ولذة الإنجاز، أو نشوة النجاح ليست قاصرة على دنيا الحرفة، بل هي ممتدة ومتمثلة في كل أوجه الحياة، حتى الإنسانية منها.
فلقد سئلت أم تريد التخفف، بل التخلص من متاعب الحمل، والولادة، والرضاعة: "ولماذا لا تلدين الطفل، ثم تعطينه لعائلة محرومة من الأطفال؟"
فأجابت قائلة: "بعد بذل الجهد لإنجاز تلك المتاعب يكون الطفل عزيزاً.. وكلما زاد التعب في رضاعته وتنميته ازدادت اللذة بتربيته، والتعلق به".
أما في مجال الأعمال، فلقد سُئل المليونير "طومسون" صاحب العديد من الجرائد اليومية، ومن ضمنها جريدة التايمز البريطانية، عندما بلغ السادسة والثمانين من عمره".
"ألا تفكر في الاعتزال، في هذه السن، ومع هذه الثروة."
فكان رده:
"يا بني.. في أي سن.. ومهما كان لديك ما تريد: من ثروة، أو مسئولية، أو هدف، يجب ألا تتوقف".
وصدق من قال أن "العمل هو ملح الحياة".